عبد اللطيف البغدادي
28
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر
ورأيت بالإسكندرية مسلّتين على سيف البحر في وسط العمارة أكبر من هذه الصغار وأصغر من العظيمتين . وأما البرابي بالصعيد ، فالحكاية من عِظَمها وإتقان صنعتها ، وإحكام سورها وعجائب ما فيها من الأشكال والنقوش والتصاوير والخطوط ، مع إحكام البناء وجفاء الآلات والأحجار ، ممّا يفوت الحصر وهي من الشهرة بحيث تغني عن الإطالة في الصفة . ورأيت بالإسكندرية عمود السواري ، وهو عمود أحمر منقَّط من الحجر المانع الصوان ، عظيم الغِلَظ جدّاً ، شاهق الطول ، لا يبعد أن يكون طوله سبعين ذراعاً وقطره خمس أذرع ، وتحته قاعدة عظيمة تناسبه ، وعلى رأسه قاعدة أخرى عظيمة وارتفاعها عليه بهندامٍ يفتقرُ إلى قوّةٍ في العلم برفع الأثقال ، وتمهّرٍ في الهندسة العملية ، وخبرني بعض الثقات أنه قاس دوره فكان خمسا وسبعين شبرا بالشبر التام . ثم أني رأيت بشاطىء البحر مما يلي سور المدينة أكثر من أربعمائة عمود مكسورة أنصافا وأثلاثا ، حجرها من جنس حجر عمود السواري على الثلث منه أو الربع ، وزعم أهل الإسكندرية قاطبة أنها كانت منتصبةً حول عمود السواري ، وأنّ بعض وُلاةِ الإسكندرية واسمه قراجا ، كان والياً عن يوسف ابن أيوب ، فرأى هدم هذه السواري وتكسيرها وألقاها بشاطىء البحر ، زعم أنّ ذلك يكسر سورة الموج عن سور المدينة ، أو يمنع مراكب العدوِّ أن تستندَ إليه ، وهذا من عبث الوِلدان ومِن فِعلِ مَن لا يُفرِّق بين المصلحة والمفسدة . ورأيتُ أيضاً حول عمود السواري من هذه الأعمدة ، بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور ويظهر مِن حولها أنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف ، وعمود السواري عليه قبة هو حاملها وأرى أنه الرواق الذي كان يدرس فيه أرسوطاليس وشِيعته من بَعده ، وأنه دارُ العلم التي بناها الإسكندر ، حين بنى مدينته وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمر بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه . وأما المنارةُ فحالُها مشهور يُغني عن وصفها وذَكرَ ذو العناية ، أن طولها مائتا ذراع وخمسون ذراعا .